أحمد بن محمد القسطلاني

254

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الصلاة والسلام ، لم يكن اتفاقًا إذ كان يمكنه التوقي منه بثوب ونحوه ، كما قاله في المصابيح ، أو بنزوله عن المنبر أول ما وكف السقف ، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ، كما قاله في الفتح ، فترك فعل ذلك قصدًا للتمطر . وتعقبه العيني : بأن ، يأتي لمعان : للتكلف ، كتشجع لأن معناه كلف نفسه الشجاعة ، وللاتخاذ : نحو : توسدت التراب ، أي اتخذته وسادة . وللتجنب : نحو ، تأثم أي جانب الإثم . وللعمل : يعني فيدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة نحو : تجرعته ، أي شربته جرعة بعد جرعة . قال ولا دليل في قوله : حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ، على التمطر الذي هو من التفعل الدال على التكلف ، ودعوى أنه قصد التمطر لا برهان عليها ، وليس في الحديث ما يدل لها . واستدلاله بقوله : لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر لا يساعده لأن لقائل أن يقول : عدم نزوله عن المنبر ، إنما كان لئلا يقطع الخطبة . كذا قال فليتأمل . ( قال ) أنس ( فمطرنا يومنا ) ظرف ، أي : في يومنا ( ذلك ، وفي الغد ) ولأبوي ذر : والوقت ، والأصيلي ، وابن عساكر : ومن الغد ( ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى ، فقام ذلك الأعرابي أو ) قال أنس : قام ( رجل غيره ) ولا منافاة بين تردد أنس هنا وبين قوله في الرواية الأخرى : فأتى الرجل بالألف واللام المفيدة للعهد الذكري إذ ربما نسي ، ثم تذكر ، أو كان ذاكرًا ثم نسي . ( فقال : يا رسول الله ! تهدم البناء وغرق المال ) من كثرة المطر ( فادع الله لنا ) يمسكها عنا . ( فرفع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديه ، وقال ) بالواو ، ولأبي ذر وابن عساكر . وأبي الوقت : فقال : ( اللهم ) أي : يا الله أنزل المطر ( حوالينا ولا ) تنزله ( علينا ) وفي بعض الروايات : حولنا من غير ألف ، وهما بمعنى . وهو في موضع نصب إما على الظرف ، وإما على المفعول به . والمراد بحوالي المدينة : مواضع النبات أو الزرع ، لا في نفس المدينة وبيوتها ، ولا فيما حوالي المدينة من الطرق ، إلا لم تزل بذلك شكواهم جميعًا . ولم يطلب عليه الصلاة والسلام رفع المطر من أصله ، بل سأل رفع ضرره ، وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق ، بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل ، بل سأل إبقاءه في مواضع الحاجة ، لأن الجبال والصحارى ، ما دام المطر فيها ، كثرت الفائدة فيها في المستقبل من كثرة المرعى والمياه وغير ذلك من المصالح ، وفي هذا دليل على قوّة إدراكه عليه الصلاة والسلام للخير على سرعة البديهة . ( قال ) أنس : ( فما جعل ) عليه الصلاة والسلام ( يشير بيده ) ولأبي ذر : فما جعل يشير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده ( إلى ناحية من السماء إلا تفرجت ) بفتح المثناة الفوقية والفاء وتشديد الراء بالجيم ، أي : تقطع السحاب ، وزال عنها امتثالاً لأمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وفيه دلالة على عظم معجزته عليه الصلاة والسلام ، وهو : أن سخرت له السحب كلما أشار إليها امتثلت بالإشارة دون كلام ( حتى صارت المدينة في مثل الجوبة ) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحدة ، أي : تقطع السحاب عن المدينة وصار مستديرًا حواليها ، وهي خالية منه ( حتى سال الوادي - وادي قناة ) بفتح القاف والنون الخفيفة ، واد من أودية المدينة عليه حرث ومزارع ، وأضافه هنا إلى نفسه ، أي : جرى فيه الماء من المطر ( شهرًا ) . وهو من أبعد أمد المطر الذي يصلح الأرض التي هي متوعرة جبلية ، لأنه يتمكن في تلك الأيام بطولها الري فيها ، لأنها بارتفاع أقطارها لا يثبت الماء عليها فتبقى فيها حرارة ، فإذا دام سكب المطر عليها قلت تلك الحرارة وخصبت الأرض . ( قال ) أنس : ( فلم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود ) بفتح الجيم وسكون الواو ، أي : بالمطر الكثير . 25 - باب إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا هبت الريح ) ماذا يفعل أو يقول . 1034 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ : " كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " . وبه قال : ( حدّثنا سعيد بن أبي مريم ) هو : سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم ( قال : أخبرنا محمد بن جعفر ) المدني ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( حميد ) الطويل ( أنه سمع أنسًا ) رضي الله عنه ، زاد أبو ذر والوقت ، ابن مالك ، حال كونه ( يقول ) : ( كانت الريح الشديدة إذا هبت ، عُرِف ذلك في وجه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي : ظهر فيه أثر الخوف ، مخافة أن يكون في ذلك الريح ضرر . وحذر أن يصيب أمته العقوبة بذنوب